الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

179

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

حيّ في أمثال ذلك فلا ينكره ، ولا يرى به بأسا . ألست تعلم أنه نزل في غزاة بدر منزلا على أن يحارب قريشا فيه فخالفته الأنصار ، وقالت له : ليس الرأي في نزولك هذا المنزل فاتركه ، وانزل في منزل كذا فرجع إلى آرائهم . وهو الّذي قال للأنصار عام قدم المدينة « لا تؤبّروا النخل » فعملوا على قوله فحالت نخلهم في تلك السنة حتى قال لهم : أنتم اعرف بأمر دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم . وهو الذي أخذ الفداء من أسارى فخالفه عمر فرجع إلى تصويب رأيه بعد أن فات الأمر ، وخلص الأسرى ، ورجعوا إلى مكّة . وهو الذي أراد ان يصالح الأحزاب على ثلث تمر المدينة ليرجعوا عنه . فأبى سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ذلك ، وخالفاه فرجع إلى قولهما ، وقد كان قال لأبي هريرة : اخرج فناد في الناس « من قال لا إله إلّا اللّه مخلصا بها قلبه دخل الجنة فخرج أبو هريرة فأخبر عمر بذلك فدفع في صدره حتّى وقع على الأرض فقال : « لا تقلها فإنّك إن تقلها يتّكلوا عليها ويدعوا العمل » فأخبر أبو هريرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بذلك فقال « لا تقلها وخلّهم يعملون » فرجع إلى قول عمر . وقد أطبقت إطباقات واحدا على ترك كثير من النصوص لمّا رأوا المصلحة في ذلك كاسقطا سهم ذوي القربى ، وإسقاطهم سهم المؤلّفة قلوبهم ، وهذان الأمران في باب الدين أدخل منهما في باب الدنيا ، وقد عملوا بآرائهم أمورا لم يكن لها ذكر في السنّة كحدّ الخمر . فإنّهم عملوه اجتهادا ، ولم يحدّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم شاربي الخمر ، وقد شربها الجم الغفير في زمانه بعد نزول آية التحريم . ولقد كان أوصاهم في مرضه أن أخرجوا نصارى نجران من جزيرة العرب : فلم يخرجوهم حتّى مضى صدر من خلافة عمر ، وعملوا في أيام